عندما تتحوّل الانتصارات الكروية الى أعياد وطنية تُرصّع بشوفينية واعتزاز بالذات والتغني بالأمجاد وارتفاع بارومتر الوطنية بحفاوة سياسية ، فاعلم أنّك في دولة متخلِّفة ، وهذا أمر ليس بالغريب في ظل عبودية شعب وحاكمه لأننا بكل بساطة دولة يمثل انتصارها الكروي أعزّ ما عندها وأندر ما لديها بعد البترول والغاز.
صخّرت الدولة ترسانتها الاعلامية لبث زيارة رئيس الحكومة الى مقر الفريق الوطني ، أمر يُفهم على أنه تحضير لفوز مُبرمج مسبّقا عندما أعلنت الجزائر مسح ديون دولة بوركينافاصو الشقيقة منذ شهور وهذا طبعا ليس لجمال عيون شعبها ، الاستخدام السياسي لهذا الفوز الكروي أكثر ما يتجلّى في علاقات الشعوب المتخلفة التي تشتد في مبارياتها المنافسة والعصبية والتوتر والغل والتنابذ، ويُصبح الفوز أفراح وطنية غامرة ، لأننا وببساطة فالكرة أصبحت إنجازاتنا التاريخية الوحيدة ، تُنسي المواطن مشاكله المعيشية بوطنية مزيفة تستغلها الحكومة لشراء السلّم الاجتماعي ،
هذا الحب المتعصب للكرة الذي أصاب مجتمعنا المتخلف يجب أن يتوقف ، لأنه مرض كرّس غيبوبتنا الكاملة عن مشاكلنا الحقيقية ، فالواجب أن نتعامل مع المباراة على أنها مباراة كرة قدم وفقط، الفوز لن يرفعنا الى دولة متقدمة متطورة والخسارة لا يُمكن بأي حال من الاحوال أن تأخذنا الى تقهقر أكثر من الذي نحن نعيش فيه .
فمذ عقود والجزائر لم تُحقِّق أي تقدّم ملموس فى أيّ مجال آخر من مجالات الحياة الاجتماعية ، السياسية أو الاقتصادية ، فغياب الديمقراطية، والتشرذم السياسي ، والاستئثار بالحكم ، وانتشار الفساد ، وازدياد معدلات الفقر وارتفاع معدلات البطالة ، كل هذا جعل وطنيّتنا مُختزلة بين قطعة قماش وجلد منفوخ ، لهذا يتسابق الناس مع كل مباراة لكرة القدم فى الاستعداد للنصر، ونسيان الهموم والمشاكل ، لأن كرة القدم اصبحت هى مصدر البهجة الوحيدة فى حياتهم لو تحقق النصر.
لا أخفيكم سرًّا أني فرحت لحد البكاء عندما فاز الدكتور محمد دومير باختراعه الخاص بالهجن في مسابقة نجوم العلوم العربية ، وبعده البروفيسور بوحنية قوي ، الفائز هو الآخر بالمرتبة الأولى في جائزة الشباب العربي المتميز في مجال الاعلام والصحافة ، وغيرهم الكثير الكثير من علمائنا المشتتين في الجامعات العالمية ، طاقات شبانية همشتها سُلطة لا همّ لها سوى الاستمرارية في الحكم بوطنية تتلاعب بها أرجل لاعبي كرة القدم .
فعن أية وطنية يتحدثون ...