عندما تصل إلى دبي لأول مرة، تتلقى عينيك صدمة بصرية لا يمكن إنكارها؛ أبراج ترتفع إلى السماء كأنها تتحدى الزمن، طرق نظيفة تصطف بدقة هندسية صارمة، أضواء لامعة تحوّل الليل إلى نهار مستمر، ومراكز تسوق تبدو كعواصم مستقلة للحياة الحديثة. كل شيء هناك يصرخ بالحداثة والتفوق التكنولوجي، وكل ركن يشعرك بأنك في قلب العالم المعاصر.
لكن هذا الانبهار الأولي يشبه ضوءاً قوياً يسطع فجأة في عينيك؛ يبهرك للحظة، ثم يتركك تبحث عن معنى أعمق فلا تجد. فبعد أيام قليلة، بدأت أشعر بالفراغ الذي يختبئ خلف هذه الواجهة المصقولة. كأنني أعيش في ديكور سينمائي متكامل، كل شيء فيه متقن ومبهر، لكنه بلا روح.
المدن الحقيقية ليست مجرد أبراج وبنى تحتية؛ المدن الحقيقية هي تلك التي تحتضن ذاكرة الإنسان، حيث يمتزج الحاضر بالماضي، وتترك الحجارة أثر الأجيال التي مرت بها. في دبي، حاولت أن أبحث عن ذاكرة، عن حكايات مدفونة في الأزقة، عن أصوات أجيال عاشت هنا قبل أن تنبثق هذه الأبراج الزجاجية من الرمل. لكنني لم أجد سوى فضاءات معقمة، تشبه معرضاً ضخماً للحياة الحديثة.
الغربة في دبي ليست غربة لغة أو ناس، بل غربة روح أمام مكان بلا جذور. كل ما تراه هنا يمكن شراؤه، وكل ما يدهشك بني بالمال في وقت قياسي. حتى ما يبدو تراثياً، كالسوق القديمة أو القلاع التاريخية، يبدو وكأنه مصمم بعناية ليخدم تجربة سياحية مثالية، أشبه بمتحف مفتوح بلا حكاية حقيقية متواصلة.
إنها مدينة تؤكد حقيقة صادمة: أن البذخ المادي لا يخلق روحاً، وأن الجمال الهندسي مهما بلغ دقته، إن لم يكن جزءاً من سياق إنساني ممتد، يظل شكلاً بلا مضمون. المدن التي تشعرك بالانتماء ليست بالضرورة الأغنى أو الأجمل من الخارج، لكنها تلك التي تتنفس الحياة في تفاصيلها اليومية؛ في أصوات الباعة، في رائحة الخبز، في أبواب البيوت القديمة التي شهدت أفراحاً وأحزاناً.
في دبي، كل شيء مُحكم، مُسيطر عليه، منظم إلى حد الكمال. لكن ربما في هذا الكمال يكمن الفراغ. فالحياة تحتاج إلى عفوية، إلى ذاكرة، إلى شيء غير قابل للبيع أو الشراء. هنا، تشعر أن الإنسان ضيف مؤقت في مشهد صُمم ليبهره لا ليحتضنه.
وبينما كنت أستعد لمغادرة المدينة بعد أسبوع، أدركت أن دبي ليست مدينة تعيشها، بل مدينة تزورها. مدينة قد تدهشك وتغريك للحظة، لكنها لا تستطيع أن تأوي روحك طويلاً. لأنها، في نهاية المطاف، مدينة بلا حكاية تخصك، وبلا جذور تروي عطشك للانتماء.